الناسك والدرصة

 

زعموا أن ناسكا مستجاب الدعوة بينما هو ذات يوم جالس على ساحل البحر إذ مرت به حدأة في رجلها درص فأرة فوقعت منها عند الناسك ، وأدركته لها رحمة ، فأخذها ولفها في ورقة وذهب بها إلى منزله ، ثم خاف أن تشق على أهله تربيتها ، فدعا ربه أن يحولها جارية ، فتحولت جارية حسناء ، فانطلق بها إلى امرأته ، فقال لها :"هذه ابنتي ، فاصنعي معها صنيعك بولدي" ، فلما بلغت مبلغ النساء قال لها الناسك :"يا بنية ، إنك قد أدركت ، ولا بد لك من زوج ، فاختاري من أحببت حتى أزوجك به" ، فقالت :"أما إذ خيرت ، فإني أختار زوجا يكون أقوى الأشياء!" ، فقال الناسك :"لعلك تريدين الشمس !" .
ثم انطلق إلى الشمس ، فقال لها :"أيها الخلق العظيم ، لي جارية وقد طلبت زوجا يكون أقوى الأشياء ، فهل أنت متزوجها ؟" ، فقالت الشمس :"أنا أدلك على من هو أقوى مني ، السحاب الذي يغطيني ، ويرد جرم شعاعي ، ويكسف أشعة أنواري "
فذهب الناسك إلى السحاب ، فقال ما قال للشمس ، فقال السحاب :"وأنا أدلك على من هو أقوى مني ، فاذهب إلى الريح التي تقبل بي وتدبر ، وتذهب بي شرقا وغربا".
فجاء الناسك إلى الريح ، فقال لها كقوله للسحاب ، فقالت :"وأنا أدلك على من هو أقوى مني ، وهو الجبل الذي لا أقدر على تحريكه "
فمضى إلى الجبل ، وقال له القول المذكور ، فأجابه وقال له :"وأنا أدلك على من هو أقوى مني :الجرذ الذي لا أستطيع الامتناع منه إذا خرقني واتخذني مسكنا" ، فانطلق الناسك إلى الجرذ فقال له :"ها أنت متزوج هذه الجارية ؟" ، فقال :"وكيف أتزوجها وجحري ضيق؟، وإنما يتزوج الجرذ الفارة " ، فدعا الناسك ربه أن يحولها فأرة كما كنت ، وذلك برضى الجارية ، فأعادها الله إلى عنصرها الأول فانطلقت مع الجرذ .